موسيقى ڭْنَاوَة بالمغرب من الرقص..إلى التطهير-حميد الجراري-مجلة الفنون (المغربية)- العدد 5 - 2022
موسيقى ڭْنَاوَة بالمغرب
من الرقص..إلى التطهير
حميد
الجراري
الدار
البيضاء
المغرب
بصرف النظر عن
اختلاف الباحثين في تنميطِ "ڭْنَاوَة"(1)
وحيرتهم في إدراجها ضمن الطرق الصوفية أو الفنون الشعبية، فقد أضحى هذا اللون
الفولكلوري يحوز شيئا فشيئا اهتمام الباحثين في مجالات التاريخ والسوسيولوجيا والأنتروبولوجيا
الاِجتماعية والإثنولوجيا وعلم الموسيقى- الاثني l’ethnomusicologie ، وذلك راجعٌ في نظرنا إلى الزخم الذي ما فتِئت"ڭْنَاوَة" تراكمه بفضل تزايد أتباعها سواء داخل المغرب
أم خارجه، مما جعلها تسْهِم في تعزيز صورة المغرب الكبير، كبلدٍ إفريقي، بربري
الأصل، عربي المنزَع، إسلامي الهوى، استطاع على مرّ العصور والأحقاب أن يظهَر
بمظهر الفاعل التاريخي الذي تمكّن من خلال علاقات التأثّر والتأثِير التي ربطته
بالكيانات الثقافية المجاوِرة من أن يُكْسِب، ويكْتسِبَ في الآن ذاته، غنى ثقافيا
وبعدا حضاريا، عمل أبناؤه على المحافظة عليه جيلا بعد جيل...إلى أن وصلنا على
النحو الذي نراه عليه اليوم، مجسدا في العديد من الفرق الفولكلورية من أهمها فرقة
"ڭناوة"، التي استطاعت أن تكوّن لذاتها نهجا
خاصا بها اكتسبته من ارتباطها التاريخي بما كان يسمى في الأدبيات التاريخية
والجغرافية المتقدمة ب"السودان الكبير"، والذي يطلق اليوم على مجمل
الساحل الإفريقي (غانا وغينيا والسودان ومالي والنيجر والسنغال...)، والذي كان يقع
في زمن المرابطين والموحدين والسعديين ضمن السيادة المغربية.
1-الجذور الإفريقية لرقصة ڭْنَاوَة:
يذهب مارمول كربخال إلى أن "بلاد السود
التي يسميها الأفارقة كناوة، والزنج، والنوبة، هي- إثيوبيا السفلى التي يدمجها
بطليموس في ليبيا الداخلية".(2)
وتتكون هذه البلاد من مجموعة من "القبائل
الأكثر ثراء والمحكومة بطريقة معقولة بعض الشيء هي التي يسميها العرب كناوة، وتقطن
على ضفاف النيجر، لأن هذه الطريق هي التي يسلكها التجار الذاهبون إلى الشرق،
ويقصدها عدد من أهل البربر و نوميديا وغيرهما".(3)
ويقسم مارمول كربخال السودانيين إلى فئتين: فئة
نبيلة وهم الذين يسمون بالبربر، الذين يعتقدون أنفسهم أنهم أنبل الشعوب السودانية،
وفئة أخرى، وهي الأعظم، وتسمى ب"الجناوة، أي "السود".(4)
وكما تطلق كلمة "ڭْنَاوَة" على الإنسان تطلق على المكان أيضا، فهي
تحوير لكلمة "غينيا" أو "غانا" للدلالة على أقلية عرقية اثنية
هاجرت، أو هُجِّرت(5)، من السودان، إلى المغرب(6)في
إطار موجات بشرية انتظمت في شكل هجراتٍ متتاليةٍ إبان القرنين الخامس عشر والسادس عشر
الميلاديين(7)، وذلك في عهد
السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي (1578-1603م)، الذي اتخذ من بعضهم حرصا شخصيين له، بينما اشتغل السّواد
الأعظم منهم في معامل السكر في كل من شيشاوة والصويرة، إلا أنهم سرعان ما ثاروا في
وجه الملك، ودمّروا كل المعامل، ليتفرقوا بعد ذاك في كامل بلاد المغرب، ليُتَّخذوا
عبيدا أو خدما في بيوت السادة وبعض الزوايا الدينية...مما مكّنهم من بلوغ حدّ أدنى
من الاِندماج في ثقافة البلد المضيف، لم يصل درجة الاِنصهار بسبب حرص هؤلاء
الأفارقة على الِاحتفاظ بشيء غير يسير من الروح الإفريقية، كأسلوب حياة ونمط
ثقافة، خلدوها في شكل رقصات طقسية كان لها كبير الأثر في استحداث انصهار ثقافي
وتوتر جمالي طرفاه الثقافة الإفريقية (بلد المنشإ) من جهة والثقافة المغربية (بلد
المنفى) من جهة ثانية، قادا إلى إيجاد شكل فولكلوري متميز ترك بصماته في الثقافة
الشعبية المغربية، بل وفي كثير من ثقافات بلدان البحر الأبيض المتوسط.
وترتبط "ڭْنَاوَة" كفعل وممارسة طقسية واحتفالية بجملة
عوالم غنية وأسطورية بالغة التضارب والتعقيد، يلتقي فيها الإنساني بالجني، والتاريخي
بالخيالي، والديني بالوثني، والحقيقي بالأسطوري، والمادي بالروحي، والمرئي بالمَخْفِيّ...كل أولئك ينصهر في بوتقة من الاِحتفال الصاخب، تُرصَد له أموال تجمع طيلة
السنة، من خلال صدقات وهبات يقدمها أناس يطلبون "التبرّك" ودفع الأذى (مرض،
مسّ، سحر)، واسترضاء "مَّالينْ المْكَانْ" (أصحاب المكان)، الذين يملكون
الجواب الشافي، ويحوزون الدواء المنتظر لأجسادهم الذاوية ونفوسهم المتعبة.
وتشكل مدينة الصَّوِيرَة، المركز الروحي لهذه
الطّائفة ومهوى أفئدة أتباعها، إذ يجتمع فيها المريدون والمحبّون من كلّ البلدان والأصقاع،"يحجُّون"
إليها زُرافات ووُحدانًا إلى ضريح "إمام"
لهم مجهول الهوية والنّسب يسمى "سيدي بِلاَل"(8)، مقدّمين له الهدايا، رافعين إليه الشكاوى
والآلام، ومجترحين لطقوسٍ مبتدعةٍ وشعائرَ غريبةٍ، أنكرتها العامة، وأوغرت عليهم صدور
الخاصة ولاسيما علماء الدين، الذين لم يترددوا في وصمهم بالشيطنة والتخريف والتَّدْجِيلِ والتَّضليل وفساد العقل والمعتقَد، في حين يجتهد مريدو هذه الطريقة، في دفع كل
هذه التهم ونفيها بشدة، لذلك نراهم يحرصون في كلّ المناسبات على تصدير حفلاتهم
بذكر الله والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم واستحضار بعض الأولياء
الصالحين. فلنتأمل استهلال هذه المقطوعة، وهي للمعلّم حميد القصري، الذي يعد من
أبرز وجوه "تڭناويت" في المغرب خلال السنوات الأخيرة:
الله..الله..الله
لا إله إلا الله
الشْفَاعَة.. يا رسول الله
الله..الله..الله
لا إله إلا الله
يا بابا ..يحضرْ ويجودْ الله
لا إله إلا الله
يا بَابَا..ودَرْتْ(وضعتُ) يْقِينِي في الله
الله..الله..الله
لا إله إلا الله
الشْفَاعَة.. يا رسول الله
أيَا الكَريمْ..الله
أيَا الوَحيدْ..الله..
واضحٌ من مطلع الأغنية الڭناوية السابقة، مدى اجتهاد الڭناويين في التوطئة لأغانيهم بالاِحتفاء
الملفت بالمضمون الديني، دفعا لأي شبهة قد تنال من سمعتهم، وتأكيدا منهم على
رسوخهم الديني؛ رسوخ يعملون على إذكائه من خلال تغنّيهم بعدد من الأولياء
والصالحين أبرزهم سيدي بلال، الذي يزعم البعض أنه هو بلال بن رباح (ت 20هـ)، الصحابي الجليل، ومؤذن النبي عليه السلام،
ويرون في هذا الاِنتساب محاولة من الڭناويين خلق رابط روحي، وإيجاد نبوّة رمزية تربطهم بمكة، المركز الديني
والروحي للعالم الإسلامي.
وهكذا يبدو أن سطوة الاِنتساب قد طالت الڭناويين أيضا، فهم، ككل الطرق الصوفية
المغربية، بل وحتى العربية، تحرص على تأصيلِ طريقتها، دينيّا وعقَديّا، وذلك عبر ترسيخ
انتسابها إلى الهُويَّة الإسلامية بمفهومها العام التي تنصهر في بوتقتها كل
الأعراق، والأجناس، والألوان.
وعلى الرغم من كل ذلك، فقد ساهمت بعض الطقوس الڭناوية في تأليب العامة عليهم؛ تأليب غذّته
صورة نمطية محقِّرة للڭناويين والسودانيين، أو الافارقة بشكل عام، رسّختها
فكريّا وشعبيّا، كتابات تاريخية وجغرافية ورحلية، غربية وعربية، وضعت السودانيين خارج
التاريخ والإنسانية والحضارة. وقد استندت هذه الكتابات في تشكيل مرتكزاتها النظرية
إلى فكر كل من بطليموس(87-150م) وجالينوس(129-200م) والمسعودي(283-346ه) وابن خلدون(732 -808 ه) والحسن الوزان(901-944ه) ومارمول كاربخال(1520-1600م).(9)
لن نستعرضَ أقوالَ وآراءَ هؤلاء المؤرِّخين،
ولن نخوضَ في كثيرٍ من حيثياتها، ولن نشرّح سياقات تبلورها وتداولها؛ وإنما سنسُوق
رأيا يستوقفنا، نراه جديرا بالاِهتمام على اعتبار أنه صادر عن العلَّامة ابن خلدون،
وهو كما نعلم إمام مؤرخي زمانه، وأشدهم تأثيرا في جلّ الكتابات التي عاصَرَته أو
التي أعقَبَته.
يقول ابن خلدون: "يُنْقَل عن
الكثير من السودان أهل الإقليم الأول أنهم يسكنون الكهوف والغياضَ، ويأكلون العشب،
وأنهم متوحشون غير مستأنِسين يأكل بعضهم بعضا...والسبب في ذلك: إنهم لبعدهم عن
الاعتدال يقْرُب عرَضُ أمزجتهم وأخلاقهم من عرَض الحيوانات العجم، ويبعدون عن
الإنسانية بمقدار ذلك".(10)
ورأي ابن خلدون السَّابق كما يظهر من
منطوقه ومفهومه، يحيل إلى لون من الكتابات التاريخية السلبية(11)عملت عن قصدٍ أو بدون قصدٍ، على تكوين تصوراتٍ
قيميةٍ سلبيةٍ، وخلق فكرٍ عدائيٍ يوجد المبرر تلو المبرر لمصادرة حرية عرقٍ إنساني
تبلورت حوله أحكام مسبقة مروية وموروثة، تداولتها أقلامُ المؤرخين رواية لا دراية،
الأمر الذي أسقطها في كثير من العسف والتخريف ساهما في رسم "صورة زنجية"
شزراء، شديدة القتامة، كان لها، ولآماد طويلة، كبير الأثر في نفسية "السّود".
والواقع أن التصورات السابقة، ولاسيما
اليونانية منها "لعبت دورا خطيرا في حبس الإفريقيين السود ضمن إطار خاص وضيق
يرشح بالانتقاص، وهدر القيمة البشرية، والتلاعب بالأوصاف بما يظهرهم أمام النظر
والمخيلة كائنات مازال اتصالها بالرتبة الحيوانية أكثر من الاتصال بالرتبة الإنسانية".(12)
وهو مبرر كان كافيا في نظر بعض الفاتحين
والكولونياليين لأن يصادروا الإرادة والحرية من منطلق استعلائي واستقوائي، يحتكر
المنجز الحضاري الإنساني، ويفرض نمذجةً فكريّةً محددةً تجعل منه المركز والباقي
هوامش قمينة بالتّهميش، والإهمال، والنسيان.
2-ڭْنَاوَة...الرّقص في حضرة التاريخ:
في هذا المناخ العدائي أوجد الأفارقة السُّود
أشكالا فولكلوريّة متعددة، من بينها رقصة "ڭناوة"، عبروا بواسطتها عن عذابات الإنسان الإفريقي في الأسر والرقّ
وهو الذي ولد حرّا، رافده في ذلك فطرة جُبلت منذ القدم على البساطة، فكرا ومعيشا وسلوكا،
لكنَّها لم تجبل على الاِستعباد، لذلك فقد قاومته بما تيسر لها من سلاح عُدّ في الأصل
للصيد لا للعدوان، ولما أعيته الحيلة استسلم لقدره وفي النفس حسرة، وفي القلب غمّة
لم تجد لها سبيلا إلى التنفيس إلا عن طريق الرقص والغناء، لهذا "تجدهم مولعين
بالرقص على كل توقيع"(13).
بيد أن هذه الرغبة الملحّة في الرقص والغناء والترنّم
إنما تنمّ عن سعيٍ حثيثٍ في تحويل آلامه وأحلامه ورغباته المقهورة إلى عملٍ فني، ولا
تنمّ عن "جهلٍ" أو "كسلٍ"على نحو ما يذهب إلي ذلك مارمول كربخال(14)، ولا عن خفّةٍ أو طيشٍ يعْزَيان إلى
طبيعة المناخ (مزاج الهواء) كما يستخلص ذلك العلامة ابن خلدون حينما قال:
"ولما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار واستولى الحر على أمزجتهم، وفي
أصل تكوينهم، كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانِهم وإقليمِهم؛ فتكون
أرواحهم...أشد حرّا فتكون أكثر تفشيا، فتكون أسرع فرحا وسرورا وأكثر انبساطا، ويجيء
الطيش على أثر هذه"(15)؛ "طيش" أراد له العلّامة أن يكون مبنيا على
أساسٍ علميٍّ، لذلك فقد استشهد ببيتين مستمدَّين من أرجوزة الشيخ الرئيس ابن سينا(428هـ) في الطب:
بالزِّنْجِ حَرٌّ غيَّرَ
الأجسادا حتَّى كَسَا
جُلًودَهَا سوَادا
والصِّقْلِبُ اكتسَبَتِ البَيَاضَا
حتَّى غَدَتْ جُلُودُها بِضَاضَا(16)
ولئن توقفت الكتابات التاريخية التبخيسية للسُّود،
إلا أن تأثيرَها المُدَمّرَ لم يتوقف عن التدفق، صحيح أن وتيرته قد خفّت لكن ظلاله
لازالت فاعلة في اللاوعي؛ لاوعي الجلاد والضحيّة معا، حذت بهذا الأخير إلى بلورة
ردة فعل، وإن كانت عفوية/فنية، إلا أنها استطاعت أن تصوغ فنّها المقاوِم لهذه
التيارات "الإفريقو- فوبية"، القادر على ردّ الاِعتبار، ولو على المستوى
الرمزي، لهذه الشخصية الإفريقية المتآكلة التي غرست فيها مخالب النّخاسة جرحا كبيرا
لم تزده قدامته إلا تورّما، ف"الفن يؤثر فينا، لكن تأثيره مخدر لطيف، ونحن
نلوذ إليه من شقاء الحياة، لكنه ملجأ مؤقت، وتأثيره فينا ليس بالدرجة التي تجعلنا
ننسى الشقاء فعلا"(17)، وخصوصا
عندما يتمّ نَكْؤه
بين الحين والآخر بألفاظ عنصرية من قبيل: العَزِّي، الأسود، الْلويَّنْ، الدْرَاوِي،
الحَرْطَانِي...
من هنا
يغدو الرقص والموسيقى، على النهج الڭناوي، فعلين جماليين يحكيان تاريخا آخر موازيا للتاريخ "الرسمي"؛
تاريخ لا يرتكز على الوثائق الدّامغة والروايات المحقّقة، والوقائع الممحّصة،
والمناهج الدّقيقة، على نحو ما نجد في علمِ
التّاريخ؛ وإنما يعتمد في توثيقه على طبيعة اللباس والغناء والرقص والآلات؛ فهي
على الرغم من بساطتها، عدّة ونهجا وأداء، إلا أنها أسعفت"ڭناوة" في اصطناعِ تاريخِها الخاصّ الذي
ينتصر للمستضعفين والمسحوقين الذين طالما نال من "الجنس الأسود" أو
"الزنوج"، وقدّمهم لنا في صورة"حيوانات آدمية" لا تشترك
والإنسانية إلا في الاِسم.
وبهذا يصير الرقص وسيلةً مثلى مكّنت هؤلاء
الزنوج القدامى من تفريج كربهم، وتفريغ انفعالاتِهم المكبوتة، والتّخفيف من وطأة
تجاربهم المؤلمة ومشاعرهم السلبية الدفينة في اللاشعور، والتي ظلوا مرتبطين بها،
وهكذا استحالت خبرات ماضي الاِستعباد والإذلال إلى نيْرٍ نفسيٍ ورساباتٍ مرضيةٍ لا
سبيل إلى التحرّر منها إلا بتحويلها إلى إبداعات جمالية ماتعة، عوض الإبقاء
عليها كأعراضٍ مرضيةٍ.(18)
3- موسيقى "ڭناوة"..جدلية الخفاء والتّجلي:
وموسيقى "ڭناوة" تتألف في العادة من مجموعة من الضّاربين على الطبولt'bel(19) وآخرين يحملون الصناجات أو القراقب(20)،
وكل واحد منهم، يحتل مكانه الملائم ضمن السلّم الڭناوي، ف"المْعَلَّمْ"Maâlém،
هو المسؤول عن الڭمبري(21)
وعن الفرقة، إذ إنه توكل إليه مهمة إدارتها والتنسيق بين عناصرها على نحو تراتبي،
يذكرنا بالتراتبية العسكرية، لذلك فتعليماته تنفذ في الحال وبالحرف، بعيدا عن أيّ
نقاش(22).
ولكي يحوز هذا المركز القيادي الهام فإنه خليق
بالمْعَلّم، أن يتمتع بخبرةٍ عالية، تجعل منه مجيدا للضرب على الڭمبري وعلى الطبل، وأن يكون راقصا جيدا، حسن
الصوت، عارفا بطباع الجن واللون الموسيقي الذي يناسبه، لذلك فهو يوجّه الطقوس وينتقي
الهتافات للجمهور، ويساهم في الاِتصال الروحي(23)،
ويضبط الحركة والإيقاع الموسيقيين متوسّلا في ذلك بسنَنٍ رمزي خاصٍّ une politique du signe متداولٍ(24) تترجمه
عناصر الفرقة إلى حركات وإيقاعات تلعب فيها الآلات الموسيقية سالفة الذكر دورا
محوريا، فما يصدر عنها هو رسالة أكثر منه موسيقى تمتلك دلالة رمزية تقترن
بالخصوبة، لا بالعنف والخفاء والموت كما يذهب بعض الباحثين.
وككلّ الفرق الشعبيّة المغربيّة، ك"دَرْقَاوَة"
و"عِيسَاوَة" و"عْبِيدَاتْ الرْمَا" و"حْمَادْشَة"...؛ حرصت"ڭْنَاوَة" أن يكون لها زيّها الخاصّ الذي يتكون أساسا من "عباءة" سماوية
اللون تشبه "الدَّرَّاعَة"
الصحراوية، إلا أنها تختلف عليها من حيث صغر الحجم وبساطة التطريز الذي يميز "العباءة
الڭناوية" التي تتكون في العادة من جزأين
اثنين؛ جزء داخلي ويكون في الغالب مكونّا من قميصٍ أبيضَ، وجزء خارجي أزرقَ اللون
تزينه تطريزات تقليدية، ويوشّحه حزام جميل مرقّش توشيه قطع من
"الوْدَع" مصفوفة في شكل وريدات ونجيمات.
ويضع الڭناوي تحت هذه العباءة سروالا فضفاضا يتيح له حرية في الحركة أثناء الرقص، بينما
يعتمر على رأسه عمامة أو شاشية بيضاء أو حمراء مصنوعة من الصوف أو من القطن، ومزركشة ومزينة ومطعّمة، هي الأخرى، بتشكيلات بديعة من "الوْدَع"،
وتعلوه شُرَّابَة صغيرة يعمد إلى تحريكها خلال لحظات معينة من الرقص.
وعموما، يبقى الزي الڭناوي فضاء تتصادى فيه تشكيلات متنوعة يغلب
عليها طابع التواضع والبساطة، وينمّ عن وقارٍ منشودٍ، مشدودٍ من حيث طبيعة اللون
إلى عوالمَ خفية تفترض وجود ألوان سبعة، يمثل كل واحد منها ملكا من ملوك Mluk الجنّ السبعة، وكل واحد من هؤلاء الملوك
يمتلك رمزية روحية معينة، ويفرض على المريد طقوسا ونذورا وأهواء مختلفة حاولنا
إجمال أهمها في الجدول التالي(25):
|
اللون |
الجن/السيد
الذي يمثله |
رمزيته
الروحية |
الطقوس
المرتبطة به |
|
الأبيض |
بلال بن رباح/عبد القادر
الجيلاني |
يكتسي كل من بلال بن رباح وعبد
القادر الجيلاني رمزية دينية/ إسلامية خاصة ترتبط بالنقاء والصفاء. |
يلبس مريدو هذين القطبين الروحيين ثيابا بيضاء،
ويقومون بسلسة من الطقوس التي تتصادى وطقوس بعض الطرق
الصوفية المغربية
كجيلالة ودربالة وبوهالة. |
|
الأحمر |
سيدي حمو |
- جني يرمز
إلى الدم والغضب والعنف والصبر |
يتقرَّب إليه بالجراح والدم: حضور السكين أو الخنجر. |
|
الأسود |
سيدي ميمون أو بابا ميمون
الڭناوي |
- جني يجسد روح السود، ويرمز
هو الآخر، إلى
الغضب. - وقد يرمز في بعض وجوهه إلى
الحظ، أو "الزْهَرْ" كما يسميه المغاربة. |
أتباعه خطيرون إذ إنهم يضربون
سواعدهم بالسكاكين والخناجر. |
|
لَالَّة ميمونة أو لَالَّة ميمونة تڭناوت أو ميمونة الڭناوية |
تحظى هذه الولية الصالحة بقدسية خاصة لدى الڭناويين وأتباعهم. |
ولية صالحة كانت ذات جمال وحسن.
يوجد ضريحها بمقربة من ضريح الولي الصالح مولاي بوسلهام بضواحي مدينة العرائش
بشمال المغرب. وقد حيكت حول كراماتها حكايات عجيبة. وتقام
حول ضريحها طقوس ڭناوية سنوية
تمتد لثلاثة أيام. |
|
|
لَالَّة عيشة أو لالة عيشة قَنْدِيشَة أو لالة عيشة الدغوغية/الحمدوشية/الڭناوية |
وهي روحانية (جنية) يعتقد أنها تسيطر على مجالات بيئية
محددة، لذلك فاسمها يرتبط بالمجال الذي تنتسب إليه، وهكذا يتحدث عن: "مُولَاتْ
الكَرْمَة" (صاحبة الشجرة) و" مُولَاتْ الوَادْ" و"
مُولَاتْ المَرْجَة"... |
يميل محبُّوها إلى لبس
الأسود، ويعتقدون أن هذه الجنية صعبة المزاج بسبب ميلها إلى الحزن والمعاناة
والبكاء. |
|
|
الأصفر |
لَالَّة
مِيرَة (أميرة) |
- تقترن هذه الملكة/الجنية في المعتقد الڭناوي
بمظهر جنية بارعة الجمال تسخر من الرجال بعد أن تقوم بإغوائهم. - ترمز للجمال والحب والملك. |
يتقرب الى ملكة الجن "للا ميرة"
بلبس الأصفر، وتقديم السكاكر والحلوى (قَاقَّة)، لتمنح أتباعها القدرة السحرية
لمعرفة الغيب. |
|
الأزرق
السماوي |
سيدي موسى أو "مُولْ المَا"(صاحب الماء). |
- جني ارتبط اسمه بالبحر - له تأثير على المياه - حامي البحارة |
يتقرب إليه بالرقص بعنف، ويحمل
أتباعه أوعية من الماء على رؤوسهم. |
من الجدول أعلاه يتضح أن اختيار اللون توجهه
معتقدات وطقوس كناوية بالية وبائدة rites archaïques
ترى أن التواصلَ الإيجابي والحميمي مع الجنّ، أو "السّادة" كما يسمونهم،
لا يتم إلا عبر ألوان محددة.
من هنا يظهر أن "حفلة الڭنَاوي" ترتبط فيما ترتبط، بالاِحتفال بالجن وببعض الأولياء، فهذه لَالَّة
عيشة الدْغُوغِية الحَمْدُوشِية "مُولَاتْ المَرْجَة، "سالْبَة
العْقُولْ، مُولَاتْ سْبَعْ الوَانْ، مُولَاتْ الوَدْيَانْ"؛ وهذا سيدي علاّل بن حمدون، ساكن
الجبال؛ وهذا سيدي إبراهيم "طَيْرْ الجْبَالْ"، صاحب الجبال العالية؛ وهذا
مولاي علي الشريف "مولْ الدرقة والسيف"...فكل هذه الأسماء التي ذكرنا في
هذا السياق وغيرها كثير، هي أسماء لأولياء صالحين وجان وعفاريت تختلف طبائعها
وأهواؤها وألوانها، لذلك فإن الڭنَاوِي مجبر على اختيار لون لباسه بحرص وعناية، وإلا كان عرضة للمسّ أو
الجنون.
وحتى يتم استرضاء أمراء الجن وملوكهم؛ فإن المشرفين على الحفل يعمدون إلى تهيئة
المَحفَل بطريقةٍ جيدةٍ، تشكل فيها عمليةُ التبخيرِ مرحلة هامة لا يمكن بأي حال من
الأحوال الاِستغناء عنها، وإلا تحولت "الليلة" إلى منقصة، بل وحتى منغصة
يستحقون عليها اللوم والعتاب على يد "المْعَلْمِينْ"، والعقاب على يد "الجْوَادْ"
و"ملوك المْكَانْ".(26)
4- ليلة الدّرْدبَة..حينما يتحوّل الرقص إلى حفلٍ للعلاجِ:
وإذا كان الڭنَاويون يجتمعون في إطار المهرجان السنوي الذي تنظمه مدينة الصويرة "ڭناوة وموسيقى العالم"، فإنهم يحرصون على
إحياء ليلتهم المسماة ب"ليلة الدّرْدْبَة" la Lila، أو "الليلة الڭناوية"، بكامل العناية.
و"ليلة الدّرْدْبَة" هذه، تبتدئ زمنيا،
من المغرب(بداية الليل) وتنتهي عند الفجر (بداية الصباح)، وهي كرنفال احتفالي
مفتوح في الزمان والمكان، وإن كان يحدَّد له في الغالب الأعمّ النصف الثاني من شهر
شعبان، وقد تحدَّد له أوقات أخرى بحسب الحاجة. واختيار التوقيت هنا يكتسي أكثر من
دلالة، ففي هذا الوقت، تحدد، حسب اعتقاد "الڭنَاويين"، مصائر الناس وأرزاقهم وأعمارهم، لذلك فهم يحتفلون بأمرائهم ويقدمون
الهدايا لملوكهم، تقرّبا إليهم، واستجلابا لسرورهم، واستدرارا لعطفهم، والنظر إلى
حالهم، وعلاجهم من أمراضهم، وقضاء حاجاتهم الصعبة والمستحيلة، كل ذلك بعد أن يتلقوا
علامة القبول accept من قبل الجن(27)، وقبل أن تسجن طيلة شهر رمضان إلى غاية
حلول ليلة القدر، إذ فيها تنزع السلاسل والأغلال عنها لتعانق الجنّ الحرية من جديدٍ،
وتبدأ دورة حياة جديدة يفترَض أن تكون مختلفة كل الاِختلاف عن سابقتها، بفضل ما
حازه الڭناوي، ومن معه من الأتباع والمريدين والمتعاطفين
والمحبِّين، من بركةٍ baraka وخيرٍ عميمٍ وفضلٍ كبيرٍ على يد من يعتَقَد أنهم يملكون السر، بما
اقتنصوه من معارفَ وبركاتٍ من الملإ الأعلى.
بيد أن الزمن الڭناوي الذي تعكسه الرقصة وإن كان مرجعيا/تاريخيا في بعض وجوهه، وذلك
بالإلماع إلى ما لاقاه الإنسان "الأسود" من أسر وترحيل قسري ومعاناة في
أقبية السفن وزنازين الذل والهوان،
فإنه يظل مع هذا زمنا أسطورياmythique temps وسحريا مرتبطا بأقطاب دينية وصوفية وازنة كسيدي بلال، ومولاي إدريس، ومولاي
علي الشريف، ومولاي إبراهيم، و سيدي عبد القادر الجيلاني، وسيدي علي بن حمدوش، وسيدي الهادي بن عيسى...إن
الأقطاب المذكورة وإن تباينت زمنيا، إلا أن ما يوحدها هو تأثيرها الواضح في رسم أهم معالم ما يسميه كلود ليفي ستروس ب"الثقافة الروحية"(28) المغربية.
وحضور فعاليات الليلة الڭناوية ليس أمرا مقصورا على الڭنَاويين فحسب، وإنما يمكن أن يحضرها عامَّة
الناس بما في ذلك الأطفال، وخاصّة خلال المرحلة الأولى منه، غير أنه وفي الشطر الأخير
من الحفل الراقص، والتي يعتقد حلول ملوك الجان فيه، فإن انسحابَهم يكون أمرا ضروريا،
حفاظا على سلامتهم الجسديّة والعقليّة والنفسيّة، لأن الرقصَ والإيقاعَ الموسيقي الصَّاخب
المصاحب له يكون فعلا قد وصل إلى الذروة، حيث يتفاعل الڭنَاوِي والجن إلى درجة من الاِلتحام والاِندغام يبدأ معها في القيام بحركات
ومضية، شبه بهلوانية، قوية وعنيفة، لا تقتصر على تحريك الرأس بقوة وفي كل الاِتجاهات
فحسب، وإنما بالقفز عاليا. كل ذلك في مشهد يحبس الأنفاس قبل الأبصار يسعى عبره الراقص
إلى محاكاة الطبيعة بشكل عام والقوى الخفية (الجان - الأرواح) بشكلٍ خاصٍّ، وبين
قفزة وأخرى، يقوم أحد الڭناويين بإحداث جَلَبَة بالاِستعانة بقطعة
حديدية أو ما شَابَه، أو بإصدار صيحاتٍ مفاجئةٍ صاخبة بل ومرعبة في بعض الأحيان، تهدف
في ما يعتقد الڭناويون، إلى الوقاية من المؤثرات السلبية(29)، وإفزاع الجان، وطرد الأرواح الشريرة
وإبعادها، أو إخراجها إذا كانت متلبِّسة بجسدِ أحدِ الحاضرين.
ومن ثمَّ فالرقص والموسيقى عند الطريقة الڭناوية لا يستهدفان الإمتاعَ فحسب، وإنما يرومان
العلاج كذلك، ومقصدية العلاج هذه هي ما يجعل "ڭناوة" متمايزة عن باقي الطرق الصوفية الشعبية الأخرى، وخاصة "عِيسَاوَة"
و"جِيلَالَة"و"هَدَّاوَة".
وفي غمرة الرقص المحموم هذا، تحين اللحظةُ
المذهلةُ، والفقرةُ الشائقةُ التي يهفو إليها الجميعُ، فتدخل العرَّافَة الڭناويةla prêtresse (30)، وهي امرأة سودانيةُ الأصلِ في الغالب،
مبهمة الملامح، مهملة الزيّ، إلا أنها تحتلُّ مع ذلك أهميّةً تراتبيّةً قصوى في السلم
الڭناوي، نابعة بالأساس من المهمة الخطيرة التي
توكل إليها، والتي تتطلبُ منها تركيزا خاصّا لكي يتسنى لها الاِتِّصالُ الأمثلُ
بالعالم الروحي، لذلك فهي تتصدر الصفوف الأولى للحفل، لكنها بعد ذاك تختفي مؤقتا
عن الأنظار وتجلس في كواليس الحفل كملكةٍ غير متوجة، منتظرةً فرصتها لتقول كلمتها
في الليلة.
بعد سلسلة من الطقوس المقتضبة، تلج هذه العرَّافَة
عالم "ڭْنَاوَة" الراقص من بابه الواسع، فتستحوذ بفضل ما أوتيت من هيبة وموهبة، على
المكان بمن فيه، وما فيه. وعلى إيقاع "الرَّشّ"
(التصفيق بالأيدي) ورنّات أَوْتَار"الجَحْجُوحْ" الدافئة الممزوجة بدقّات
الصُّنُوج النحاسية المتلاحقة، تدخل "المْعَلْمَة" في
ما يشبه "الجذبة"، فتضرب الأرض بقدميها الحافيتين ضربا متسارعا، وتدير
برأسِها في كلّ الاِتجاهات برقبة مطاطيةٍ وجبهة مشتعلةٍ حرا وعرقا، لا يخفف من
وطأتهما إلا ماء الورد الذي ينضَح على وجهها، وعلى وجوه الحاضرين، من خلال
"مْرِشَّات"(31) فضية تقليدية خاصة تلهب الحفل وتذكي من احتفالية المشهد.
وبتصاعد الرقص تدريجيا إلى أن يصل الذروة تكون
الراقصة قد دخلت مرحلة من الاِنتشاء الروحي، نتيجة تفاعلها مع الجنِّ والأرواحِ، فتفقد إثر ذلك الوعي
للحظاتٍ قد تطول أو تقصر حسب طبيعة العرّافة ومستوى الإيقاع، لتشرع بعد ذاك في
استشراف المستقبل، وارتجال نبوءاتٍ وتكهّناتٍ تأتي في الغالب فوريةً وسريعةً ومقتضبةً لكنها
حاسمة، فتوصي هذا بكذا، وتحذر ذاك من كذا...ويظلّ هذا الدّفْق النبوئي موصولا حتى الفجر،
عندئذ تنقطع النبوءة، وينتهي حفل الشّفاء بتطهير النفس، وتخليص البدن مما يخالجه من اضطرابات نفسية أو عقلية.
بعد إشباع الروح نشوة وتطهيرا تأتي مرحلة
إشباع الجسد، ومعه الروح المحررة، طعاما بعدما تم إنهاكه طيلة ليلة طويلة، رقصا وضربا
وتجريحا وتعنيفا، وذلك على توقيع موسيقى علاجية musicothérapie.
ولإعداد الوليمةِ الكبرى، يقتني مريدُو
الطريقة أو بعضُ المرضى تيسا أسودَ يختَار
بعناية خاصة، وبعد أن تخضّب ناصيته بالحناء و"ماء الزهر"، يذبح التيس على الطريقة الإسلامية، ويقدّم
دمُه كقربان للجان الحاضرين، و"قد يحتفظ بشيء من السّيل النجس (الدم) والذي
يجذب قوى النّحس، لعلاج الأمراض، وحماية الأسرة. وبفضله، من جهة أخرى، يحصل تطابق
جديد للمضحّين بالضحيّة"(32)، ليصنع من لحمه بعد ذلك "كسكس" يحرص
معدّوه على خلوّه من الملح، لأن الڭناويين يعتقدون أن الجان لا يحبون الملح.
لذلك يمكن القول بأن تحريرَ الجسدِ وتحريرَ
الرُّوحِ الماردةِ الخامدة فيه، والتنفيس عن فائضِ المشاعرِ "الخسيسةِ"
الكامنةِ فيه، العاملة كنارٍ خامدة من تحت رماد، يشكل جزءا هاما من المقاصد التي تروم
رقصة "ڭناوة" استحداثَها، وذلك كشكلٍ من أشكال
التطهير بمعناه الأرسطي، بيد أن التطهير هاهنا في العرف والأدبيات الڭناوية لا يتوقف عند تخليص النفس مما علق بها من
أدران الكذب والنفاق والحقد والحسد فحسب، وإنما يروم كذلك "تطهير" الجسد المسكون (meskun) مما اعتراه من مسّ، أو سحر، أو عين، أو جنون.
ويكتسب الرقصُ بما هو حركة، دلالة على
الحياة، على الطّبيعة، في كامل حيويتها وعنفوانها. وهو إلى ذلك "لسان ڭناوي" بامتياز، عماده الجسد، وقوامه
اللباس. واللباس هاهنا يكتسي دلالة عميقة، ووظيفة كبرى تعكس العمق الڭناوي الذي ينضح به القلب وتشي به الروح، لذلك
فهو يعلي من جغرافيا الجسد، ويضفي عليها بعدا استيطيقيا، وإنسانيا أيضا، ف"ڭناوة" ككلّ رقصٍ تعبيريٍ، تمنح الجسد حساسية جسدية corpo-réité sensible على نحو ما يعبر رولان بارت.(33)
بيد أن هذه الحساسية الملموسة في الأسلوب الڭناوِي، تنفي أي نزوع فردي عن الذات الراقصة، وتصهره
ضمن رقص جماعي سام، ينتظم في الغالب في شكل دوائر/حلقات تحكي عن الكون وتحاكي
حركته الدّائبة في الآن ذاته، مما يضفي على العرض الراقص مَسْحة من السحر تمتد بالذّاكرة الإنسانية إلى
العمق، إلى البدايات، حينما كان يُنظَر إليها كأداة أساسية للإدراك والتعبيرعما يكتنف النفس من دهشةٍ، أو خوفٍ، أو فرحٍ،
أو حزنٍ، أو غضبٍ.
بهذا المعنى يستحيل الرقص إلى قاطرةٍ للتواصل
الإنساني داخل المجموعة، إنه مدرسة أولى لنفي الذات/الفرد في الجماعة، باعتبارها
كيانا اجتماعيا يُعلي من قيمِ الوحدةِ الإنسانيَّةِ والقوَّةِ الجماعيَّةِ، في
السلم كما في الحرب.
والرَّقصُ على النهج الڭناوِي، من جهة أخرى، لغة صامتة، لفظها الجسد،
بكل ما يكتنزه من تضاريس، وما يحتويه من تفاصيل، وما يعكسه من دلالات صادقة، صادحة
برموز باهرة، تهتز على وقع أصوات قرع الطبول الصاخبة، ورنات الصَنْجات المتلاحقة.
ومن ثم يُمسي الرقص الڭناوِي، بناء على هذا الأساس، تشكيلا لغويا غير لفظي، صحيح أنه صامت لفظا،
لكنّه هادر دلالة ورمزا(34)، لذلك
فهو، في تصورنا، يستطيع بحميميته أن يوصل رسائل قد تعجز اللغةُ الطبيعيةُ عن
إيصالها، بما توافر له من أدوات تعبيرية بسيطة لكنها بليغة وفصيحة، مما يمكنّه من إيصال
مقصده من القلب/الروح إلى القلب/الروح دونما حاجة إلى وسيط أو ترجمان لفظي. فهو يقول
كلَّ شيء رقصا.
من هنا تغدو رقصة "ڭْنَاوَة"، وككل رقص إيقاعي معبّر، خروجا من/أو عن الذات، أو قل هو تحرير للروح
من جدْبِ الذات ودفعها إلى عالم رحيب تعانق فيه الحرية، وتثمل من رحيقها ونسيمها
الرطب. حتى إذا ما ربت واهتزت، وغدت بثوب أجمل، وشكل أكبر وأقوى، صعّدت من حركاتها
تصعيدا؛ لأن الأرض ما عادت تستطيع استيعاب ما حواه القلبُ من قوة، والروحُ من نشوةٍ،
تدفع بالذات إلى القفز عاليا في الفضاء، حيث الرّحابة أوسع، والأرواح الهائمة، السَّائحة
على غير هدى منذ زمن بعيد؛ منذ أن عبثت بها أيدي السَّادة والنخاسين والمستعمرين، الذين
صادروا الحريةَ، وأسروا الجسدَ، لكنهم لم يستطيعوا أبدا أسر الروح، فانطلقت محلقة
في الأجواء؛ في البحار والأنهار والمستنقعات باحثةً عن سلامٍ مفقودٍ يعمل الڭناوي، بما أوتي من "بَرَكة" على
منحه لها، وذلك عبر تهدئتها، وحتى استلطافها، ببعض الطقوسِ والرقصاتِ والأبخرةِ
والأناشيدِ والأزجالِ، التي تتخلّلها عبارات من المرجح أن تكون منحدرةً من بقايا
الأغاني السودانية أو الإفريقية القديمة.(35)
وبهذا يظهر، أن المهارةَ وحدَها في "ڭْنَاوَة" لا تصنع الفرق، ما يصنع الفرق فعلا هو الحمولة التاريخية والنفسية
والإثنية التي تستثيرها هذه "التراجيدية الموسيقية"، التي يحضر فيها
الدم والضرب على الجسم، وسفك الدماء؛ دم الراقص ودم الأضحية معا، وشربها قصد الاِستزادة
من القوة والطاقة التي يعتقد أنها تضمها.
وبهذا المعنى تتحول "ڭْنَاوَة" بحركاتِها الجسديّة التعبيريّة، وتدفق إيقاعها الرتيب أو الصّاخب، وكلماتِها المقتَضبَة المعبِّرة حينا،
والمبهمة أحايين كثيرة، إلى فنٍّ أدائي بامتياز مفتوح في الزمان والمكان، يحايث
المسرح، أو على الأقل الأشكال ما قبل-المسرحية منه، بل ويشترك معها في الكثير من الطقوس
كالرَّقص الجماعي، وتقديم الأضحية (الماعز في الغالب) وشرب دمها على غرار
الاِحتفالات الديونيزوسية/اليونانية.
كما تشترك معه كذلك، في بعض التكنيكات الدرامية كالموسيقى، واللباس،
والكواليس، و وجود الممثلين والراقصين.
بل يمكننا الزعم بأن "ڭْنَاوَة" تتفوق على المسرح الكلاسيكي، وخاصة مسرح البسيكودرام Psychodrame، في بعض وجوهِه ولاسيما في ما يخص الجمهور
أو الجوقة. وفي هذا الصدد، يمكن القول بأن الجمهور الڭناوي، أكثر فعالية من نظيره المسرحي، بفضل رحابة
مساحة الحركة التي تُترَك له، وحجم الحرية والدور الذي يُمنَح له عمدا، بهدف دفعه
إلى الإسهام في توسيع نطاقِ الاِحتفال عبر مشاركته الفعلية في مسْرحة الرقص، مما
منح "ڭناوة" امتدادا ثقافيا، ورافدا اجتماعيا،
وبعدا إنسانيا ما فتئت دائرتُه تتّسع شيئا فشيئا، لتكتسحَ مساحاتٍ ثقافيةٍ جديدةٍ،
مستقوية في ذلك بعقليةٍ متسامحةٍ ونهجٍ فني منفتحٍ تخلّى، منذ البدء، عن كل ما
يمكن أن يدرَج ضمن العصبيّة العرقيّة أو الثقافيّة، لذلك نجد ضمن هذه الطريقة
أتباعا ومريدين ينحدرون من جنسياتٍ ودياناتٍ وقومياتٍ ولغاتٍ متباينة، بل ومتناقضة
في بعض الأحيان، الأمر الذي جعل منها جسرا ثقافيا عابرا trans-culture للقارات، والهويات، والثقافات.
غير أن الكلام السابق لا يعني أن "ڭْنَاوَة" تفشي أسرارها هكذا لأي كان وقتما يشاء وكيفما يشاء، ف"التكنيك
الڭناوي" يظل على الرغم من المنحى
الاِنفتاحي الذي يظهره، سرا من الأسرار التي يحتفظ بها المعلم ويورثها لمن يشاء من
المخلِصين والأتباع، لذلك فهو يلجأ في سياقات عديدة إلى الإغماض والإخفاء والتمويه
والتعمية، وهي أساليب/أقنعة نستطيع أن نستشفّها من الممارسات الڭْناوية التالية:
ý السرية
التامة التي يتم فيها الإعداد لليلة "الدّرْدبَة".
ý الصمت شبه
المطبق الذي يميز موسيقى ڭناوة، حتى ليظن البعض بأن روادها "صُمٌّ" "بُكْمٌ".
ý التعقيد الذي
يلفُّ التقاليد الڭناوية، وتواشجها مع طرقٍ صوفية أو فولكلورية
ك"دَرْقَاوَة" و"عِيسَاوَة" و"عْبِيدَاتْ الرْمَا" و"حْمَادْشَة"
و"هَدَّاوَة".
ý التهييء
للرقص وللطّعام الذي تختتم به الحفلات يتمّ بعيدا عن مرأَى ومسمَع الجمهور.
ý غموض التعاقد
والتواصل الذي ينسجه الڭناويون والجان الذين يدعون صلتهم بهم، وغرابة
التعليمات التي يزعمون تلقيها عنهم في شكل أحلامٍ أو رؤى.
ý
انخراط أتباع"ڭناوة" وانغماسهم في عالم
من الغموض، موسيقى ورقصا وغناءً ومعيشةً وفكرًا وممارسةً ومعتقدا.
ý رطانة اللغة
التي يتحدث بها الڭناوِي، وهي لغة خاصة اصطنعها مريدو هذه
الطريقة لأنفسهم، متخذينها كشكل من أشكال الحذر والإخفاء والضنّ بنفائس الأجداد وأسرارهم،
لذلك جاءت جلّ مردّداتهم في شكل ملفوظاتٍ منشطرةٍ لغويا، غامضةٍ دلاليا، منزاحةٍ
أسلوبيا، تتكئ على التّرميز والتّلميح والتّكثيف العفوي الذي يحيل الكلام الڭناوِي إلى "قصيدة" غامضة غموضا
ماسيا، آسرا للأفئدة وشاحذا للألباب، دافعا إياها إلى طرح مزيدٍ من الأسئلة التي
تروم تعميقَ الفهمِ بالظّاهرة الڭناوية، وذلك عبر الحفر في جذورها التاريخية والسوسيو- ثقافية، حتى يتسنّى
الكشف عن أسرار عالم "تَڭْنَاوِيتْ" الذي يقترن فيه المرئي بغير
المرئي، ويشكل فيه الزيُّ والرقصُ والموسيقى والغناءُ والطقوسُ...أنصابا نفسيّة(36) وبقايا
ثقافية، وترسُّباتٍ اجتماعيةٍ مفيدةٍ تشي بسيرورة/وصيرورة
عقلية الڭناوي المغربي وطريقة تفكيره، ونظرته إلى
الذات والآخر والكون.
5-عالم ڭْنَاوَة: من زنازين العبودية..إلى رحابِ العالمية:
ولئن حققت "ڭْنَاوَة" بعض النجاح، الشعبي
محليا وإقليميا وعالميا، فإنه لا يزال ينظر إليها ببعض الغرابة، إن لم نقل
التهميش، على الأقل على المستوى المحلي، فهي لم تنل ما تستحقه من العناية، بحثا ودراسة
وتوثيقا، هذا في حين أن الغرب اهتم بالظاهرة الڭناوية وخصّها بدراسات معمقة وأطاريح جادة شرّحت
على نحو بديع هذه الظاهرة، كاشفة عما تدّخره من تراكمٍ حضاريٍّ رفيع أغرى بعض
المؤسسات الثقافية الغربية بتدريسها والاِشتغال
عليها، وإعداد فرق
فولكلورية واعدة في كل من فرنسا وبلجيكا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية...حرصت
على تلقين التقنيات
الموسيقيّة الشفهيّة الڭناويّة، وتحديث أدائها، وتطعيمها ببعض الآلات الموسيقية الغربية الحديثة كالجيتار
والبيانو والساكسفون وآلة الباتري...كلّ
ذلك في إطار من البحث الموسيقي رام ابتداعَ نهجٍ موسيقي تجريبي يهدف إلى استحداثِ
لونٍ من الموسيقى التوفيقية الجديدة بين "ڭناوة" وموسيقى العالم.
وبغضّ الطرف عن
الغموض الذي يكتنفها، تبقى ظاهرة "ڭناوة" تراثا ثقافيا وحضاريا متميزا يغني
من التعدد الاتنولوجي والاثنو- ثقافي في المغرب، ويعمق البعد الإنساني لمغربٍ كبيرٍ،
بتنويعاته التراثية، وتلويناته الفولكلوريّة الإنسانيّة، التي يمكن النظر إليها
كفلزّات أوليّة طبيعيّة زاخرة بمعادنَ نفيسةٍ، نستطيع نحن، إن أحسنّا استخلاصَها،
أن نحوزها ونستمتع بها، ونجمّل بها وجودنا الحاضر، بعيدا عن أي انطوائيةٍ، أو نكوصٍ،
أو إحساسٍ مبالغٍ فيه بالذات.
هوامش وإحالات:
1- وتسمى
أيضا ب"جيني" أو "الجناوة، أي "السود" أو
"السودان"، وتطلق الكلمة أيضا على مملكة بإفريقيا السوداء عرفت في بعض
الكتابات الجغرافية والتاريخية ب"ڭناوة".
انظر: مارمول
كربخال:
E
تاريخ إفريقيا من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر،
المجلد 3، المشرف على المجلد م.الفاسي، بالاشتراك مع: إ.هريك، اليونسكو، باريس، ط
2، 1997م، ص: 347.
E
إفريقيا: ج 1، تر: محمد حجي ومحمد زنيبر ومحمد الأخضر
وأحمد التوفيق وأحمد بنجلون، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، دار
المعارف للنشر والتوزيع، الرباط، المغرب، 1984م، ص: 52.
2-
مارمول كربخال: إفريقيا: ج 1، المرجع السابق، ص: 49.
3- المرجع نفسه،
ص: 51.
4- انظر:
مارمول كربخال: تاريخ إفريقيا من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر، المجلد 3،
المرجع السابق، ص: ص: 347.
5- كان
الرقيق يصَدَّرون إلى المغرب من إفريقيا، وذلك نتيجة عمليات الاِسترقاق الواسعة
التي كانت تنفذ في إفريقيا السوداء والتي ذهب ضحيتها آلاف الأطفال والنساء والرجال
الذين كانوا يباعون إلى بعض العرب والأفارقة والبرتغاليين. وقد ساهم في استفحال
هذه الظاهرة فرض بعض الفاتحين العرب على سكان بعض المدن الإفريقية جزية باهظة بلغت
في بعض الأحيان 360 من الرقيق.
راجع في هذا الصدد:
E
مارمول كربخال: إفريقيا، ج 1، المرجع السابق، ص: 52.
E
مارمول كربخال، تاريخ إفريقيا من القرن السابع إلى القرن
الحادي عشر، المجلد 3، المرجع السابق، ص: 326.
E
الرقيق القيرواني: تاريخ إفريقية والمغرب، تقديم وتحقيق
وتعليق: د/محمد زينهم محمد عزب، دار الفرجاني للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط 1،
1944، ص: 52.
6-
نميز هنا بين ڭناوة المغرب الذين استوطنوا المغرب فتسموا
ب"ڭناوة المغرب"، وأولئك الذين استقروا
بالجزائر فسموا ب"ڭناوة الجزائر"، والذين سكنوا تونس فسموا
"الإسطنبولي".
7- ترى بعض
الدراسات أن المغرب عرف خلال القرن الثامن عشر موجة عظمى من السود إلى المغرب،
وذلك في عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل (1645-1727)، الذي اتخذ منهم جيشا كبيرا أطلق عليه "جيش البخارى"
أو"جيش البخاري" l armée noire،
بيد أن هذا الجيش، الذي وصل تعداده إلى حوالي مائتي ألف فارس، سرعان سيتعرض للتفكك
إثر وفاة المولى إسماعيل.
انظر:
Jean
Pouchelon: Les Gnawa du Maroc: intercesseurs de la différence?
Etude ethnomusicologique, ethnopoétique et ethnochoréologique. Thèse de
Doctorat, Faculté de Musique de l'Université de Montréal, Ethnomusicologie,
2015, p: 60.
8-
الاِجتماع عند مرقد محدد هو شكل تعبيري صوفي رامت عبره "كناوة" محاكاة
سلوك بعض الفرق الشعبية الصوفية المغربية ك"عيساوة" التي تنتسب إلى
الإمام امحمد بن عيسى المعروف بالشيخ الكامل
دفين مكناس933) ه( وأحد أهم أوليائها
الصالحين؛ أو "حمادشة" التي تنتسب إلى سيدي علي بن حمدوش المدفون بضواحي مدينة مكناس...
9- لمزيد من
تعميق الفهم حول هذه القضية ترجى العودة إلى:
عبد الله
إبراهيم:
E
المطابقة والاختلاف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
بيروت، لبنان، 2004، ص: 444.
E
عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين، المؤسسة العربية
للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 2007، ص:624.
10-
عبد الرحمن بن خلدون: مقدمة ابن خلدون، وهي الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون المسمى
ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن
الأكبر"، تحقيق: خليل شحادة، مراجعة: سهيل زكار، دار الفكر للطباعة والنشر
والتوزيع، بيروت، لبنان، 2001، ص: 91.
11-هذا الحكم
لا ينبغي أن ينسينا كتابات بعض المؤرخين المنصفين للأفارقة من أبرز هم عبد الرحمن بن عبد لله السعدى
(1596-1655 م)، صاحب
كتاب"تاريخ السودان".
12- عبد الله
إبراهيم: عالم القرون الوسطى، المرجع السابق، ص: 618.
13- انظر:
عبد الرحمن بن خلدون، المرجع السابق، ص:94.
14- وذلك
حينما قال: "لو كان السود نشيطين، لاستخرجوا من الذهب أكثر مما يستخرجون،
ولكنهم جد كسلاء ولا يقبلون على العمل
إلا لكي لا يموتوا جوعا".
راجع: مارمول
كربخال: إفريقيا، ج 3، تر: محمد حجي ومحمد زنيبر ومحمد الأخضر وأحمد التوفيق وأحمد
بنجلون، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، دار المعارف للنشر والتوزيع،
الرباط، المغرب، 1988-1989، ص:241.
15- عبد
الرحمن بن خلدون، المرجع السابق، ص: 94.
16- المرجع
نفسه، ص: 92.
17-سيجموند
فرويد: الحب والحرب والحضارة
والموت، دراسة وترجمة: دكتور عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، القاهرة، ط 1، 1992، ص: 51.
18- راجع: سيغموند فرويد: خمسة دروس في التحليل النفسي،
تر: جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط 3، مارس 1986، ص: 13 - 17 - 61.
19- تتكون
فرقة الطبالين من شخصين على الأقل يرأسهم رئيس الطبالين الذي يضرب على الطبل
الكبير، يساعده في ذلك شخص آخر يحمل طبلا متوسطا.
20- وتسمى
أيضا بالقراقيش(les qaraqèb
(crotales،
وهي عبارة عن صنوج حديدية أو نحاسية صغيرة تتكون من أربعة أزواج متماثلة، كل زوجين
يوضعان في اليد، يصدر عن تحريكهما صوت حديدي يربطه كثير من الباحثين بصوت السلاسل
التي كان يكبل فيها عبيد إفريقيا الذين كانوا يستقدمون إلى المغرب، والبلدان
الأخرى، إبان مراحل تاريخية معينة...
21- الڭَمْبْرِي، أو
الجَحْجُوحْ، هو آلة موسيقية شعبية تشبه العود، تصنع من شجر التين، وتتكون من
ثلاثة أوتار مصنوعة من أمعاء الماعز.
22-Jean Pouchelon: Les Gnawa du Maroc, ibid, p: 81.
-23CHRISTOPHER JAMES WITULSKI: DEFINING AND REVISING THE
GNAWA AND THEIR MUSIC THROUGH COMMODIFICATION IN LOCAL, NATIONAL, AND GLOBAL
CONTEXTS, A THESIS PRESENTED TO THE GRADUATE SCHOOL, OF THE UNIVERSITY OF
FLORIDA IN PARTIAL FULFILLMENT OF THE
REQUIREMENTS FOR THE DEGREE OF MASTER OF MUSIC, UNIVERSITY OF FLORIDA, 2009, p: 53.
2-4Roland
Barthes: Essais critiques, Seuil, Paris, 1991, p: 59.
25-Deborah
Kapchan: Moroccan Gnawa and Transglobal Trance, The Medium is the Music,
http://www.penn.museum/sites/expedition/moroccan-gnawa-and-transglobal-trance.
تاريخ التصفح: 12-04-2016.
26- يتسمّى الجانّ في التصور الڭناوي بحسب
المكان الذي يوجد فيه، وهكذا يمكن الحديث عن "مَّالِينْ(أصحاب) الوَادْ ومَّالين الحُفْرَة ومَّالِينْ الغابة...
27-انظر:
-Deborah
Kapchan, Moroccon
gnawa and transglobal Trance, ibid,
28-
انظر: كلود ليفي ستروس: الأنثروبولوجيا البنيوية، ج 2، ترجمة: مصطفى صالح، مراجعة:
وجيه أسعد، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1983، ص: 21.
29- انظر:
E بيار كانافاجيو: معجم الخرافات
والمعتقدات الشعبية في أوروبا، تر: أحمد الطبال، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 1، 1993، ص: 61.
E خليل أحمد خليل: معجم الرموز، سل
(المعاجم العالمية)، دار الفكر اللبناني، بيروت، لبنان، ط 1، ص: 52.
30- وتسمّى كذلك المَقَدْمَة أو الكاهنة.
31- وهي عبارة عن قارورات معدنية منقوشة تملأ
بماء الورد ليرش به الحضور في المناسبات الشعبية كالأعراس وحفلات العقيقة والختان.
32- عبد الله حمودي: الضحية وأقنعتها، بحث في
الذبيحة والمسخرة بالمغارب، تر: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار
البيضاء، المغرب، ط 1، 2010، ص: 161.
33-انظر:
p: 59 ibid, -Roland
Barthes: Essais
critiques,
34- ولعل هذا هو ما عَنَاه سترافينسك Stravinsky
حينما قال:
Le
danseur est un orateur qui parle un langage muet.
Dances Poétiques - 2016
http://association-revival.jimdo.com
تاريخ التصفح: 05-05-2016م.
35- محمد أديوان: الثقافة الشعبية المغربية
(الذاكرة والمجال والمجتمع)، مطبعة سلمى، الرباط، 2002، ص: 75.
36- راجع: سيغموند فرويد:
E خمسة دروس في التحليل النفسي، المرجع السابق، صص: 16-17.
E الطوطم والمحرم، تر: جورج طرابيشي، دار الطليعة
للطباعة والنشر، بيروت، د ت، ص: 8.

تعليقات
إرسال تعليق
لكم كل الشكر على كرم التفاعل